فضل حسن عباس

43

قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات )

أولا : الأسلوب المكي والمدني : التفرقة بين الأسلوب المكي والمدني أمر كانت له أبعاده ومقدماته ونتائجه ، وهي قضية طالما عرض لها رجال التبشير والاستشراق على السواء ، ورددها بعدهم المتأثرون بهم ، وكنا نود أن تتخذ دائرة المعارف منهجا أقرب إلى الموضوعية والعلم ، والنزاهة والإنصاف . إن الغاية من تقسيم القرآن إلى أسلوبين هدفها إثبات أن هذا القرآن كان خاضعا للبيئات المختلفة ، فهو في مكة كان ذا أسلوب شعريّ يتفق مع لغة القوم وثقافتهم العربية المحدودة ، ولكنه في البيئة المدنية كان متأثرا بأهل الكتاب الذين كانوا هناك من اليهود ، والذين كان لهم من الثقافة ما لم يكن للعرب في مكة ، كما أن لأهل مكة من السليقة اللغوية ما لم يكن لهؤلاء ، وعلى هذا فالقرآن كان يخضع لأمزجة مختلفة ، وثقافات متغيرة ، فليس نسقا واحدا ، فآياته في مكة قصيرة ذات أسلوب وإيحاء قوي ، ولكنها في المدينة كانت طويلة ذات أسلوب معقد ، وهذه - والحق يقال - فرية لا تقوم على أساس من منطق ، بيان ذلك : إن القرآن المكي كان يعالج موضوعات معينة هدفها تثبيت عقيدة الألوهية ، وما يتبعها من شؤون الرسالة والنبوة ، وأنباء اليوم الآخر ، وما يمكن أن ينمّي ذلك من أخلاق فاضلة ، ولكي يتم التأثير جاءت القصص تحدّث عن الأولين ، وما كان من شأنهم ، لا من حيث الإيمان فحسب ، ولكن من حيث الأمور المسلكية كذلك ، كتطفيف المكيال والميزان ، وتعظيم الناس من حيث أنسابهم وأموالهم ، وفعل بعض الفواحش . وكل هذه من مقتضيات التربية ، التي يهدف لها القرآن المكي ، ولكن طبيعة الأحداث تحتم أن يكون للقرآن المدني هدف آخر ، فالجماعة المسلمة لا بد لها من نظام شامل كي تحفظ نفسها من المنزلقات ، وهذا النظام الشامل لا بد أن يشمل مناحي الحياة جميعها ، فعلاقة